الأحد، 31 مايو 2009
خربشاتٌ على دفتر الوطَن
أسكُب حنينَ الوطن
في ذاتكَ الغريبةِ..
وانتظِر..
علّ وميضَ الشمسِ
يغذّي غُربتَكَ
حلمَ الرّجوع..
واقصد باطنَ الكفَنِ
في موتكَ اليوميِّ..
وانتشِ..
علَّ ضياءَ الموتِ
يسقي قبركَ نبعَ الخلود
وأرضٍ تنشدُ تُرابَها
قهرًا
كأمٍّ ثكلى تبكي أطفالَها
آثمةً من غير إثمٍ
تُعانقُ وجهَ اللهِ بدمٍ من نار!
تسبحُ في فَلَكِ حكمتهِ
خاطرةً..
شاءَ فكتبَها تحتَ الجلَدِ
مثلاً سهلَ التأويلِ..
شِعرًا موزونًا بقضيّةٍ
ونثرًا خُرافيًّا
يبحثُ عن بندقيّةٍ..
ورصاصة!
الوقوعُ في حبِّ الوطنِ أجملُ
بِلُغةِ العدوِّ..
أعلى قيمةً –هو الوطن-
مُحاطًا بخونةٍ
ونباحٍ وعويل..
هو البطلُ شهيدًا
على مذبحِ عروبةٍ
فقدت روحَها
مع أوّل طعنةٍ في الظَّهرِ
وأوّلِ قبلةٍ غاشّةٍ
من شفتيْنِ
تقطران دمًا وخمرًا
ووعدًا كاذبًا
بحريّة تستعبدُ ذاتَها بذاتِها
مكتوبةً بخطٍّ عربيٍّ عريضٍ
على وطنٍ من ورق
إيـاد معـلوف
للحريّةِ وجهٌ آخَر
عبثًا يحاول إقناعَ نفسه أنه لا يزالُ حيًّا. في ظلام السجن تخبو الحريّة ولو اشتعلَت نيرانها في ذواتِنا أفكارًا. ينظرُ في المرآة فيرى عجوزًا، ينظر من النافذةِ فيرى ماضيَه، ويغوصُ في ذاكرته فلا يجدُ غدًا، فما الغدُ، إذا كان الحاضرُ من حديد؟
يتوجّه نحو سريره، ينفض الغبارَ عن الدثار الأزرق، يفترشُ به الأرضَ، ويركع..يسجد، ويردّد: "أبانا الذي في السموات..." يتوقّف عند هذه الجملة، ويُمعن في التفكير: "كيف يراني الربّ وهو في السماء، ألا يجب أن تكون هناك سماءٌ ليكون الربّ موجودًا فيها؟" ينظرُ إلى الأعلى فلا يجد غير الإسفلت وبقايا رسوماتٍ وكتاباتٍ احتفرتها حياةٌ سابقة، ولوّنتها دماءُ من راحوا.
منذ أربعةَ عشر عامًا، كانَ لا يزالُ يعبثُ بهُدب الحياة، يبحث لنفسِه عن عذرٍ أو عن جُملةٍ تلوحُ في فِكر الله، لينطق بها راجيًا أن يتجدّد فيه عهدُ الطفولةِ وروعةُ النسيان. منذ أربعةَ عشرَ عامًا وهو يحاولُ أن يقبضَ على الحياةِ مثلما يقبضُ المرءُ على كومةٍ من الرّمال.
فِكرةُ الحريّة تدغدغُ أحاسيسه، تُثيرُ لواعجَ نفسه، تخرجُ من القفصِ الحديديّ لتمتطيَ أوّل حصانٍ جامحٍ يصهلُ في الحقولِ الذهبيّة..حقولاً تمتدّ أمامَهُ بحرًا من عطش!
حبّه الأول استحال سيمفونيةً قديمة، بات وردةً ماتت قهرًا على بوابةِ تشرين، ومنديلاً ورقيًّا من حبيبةٍ، مزّقته رياح الهجرِ وأشعلته نيرانُ الفراق.
يمسحُ دمعةً عن وجنتهِ اليُمنى، يسندُ ذكرياتِهِ بوسادةٍ بيضاءَ من أمل، ويلعقُ جراحَهُ بلسانٍ أخرس. لم تعد الحريّة بالنسبة إليه أكثر من عبوديّة، صارَ عبدًا لفكرة، وخادمًا وضيعًا لشيءٍ يشبهُ المرض.
يسمعُ صوتًا من بعيد، يظنّه صدى صوتهِ يناديه، يصرخُ وحده في الظلامِ وينتحب. لم يكن ذلك أكثر من صوتِ شبحه.
"الأخضرُ يناسبكِ"..يسترجعُ كلماتهِ لها.."الأخضرُ يناسبُ صوتكِ. هو لونُ الأبديّة ولو تجسّدَ في شجرةٍ أو في حبّةِ تفّاح؛ هو لونُ الأبديّة سائلاً من نورٍ خرافيّ، يرتشفهُ العاشقُ من أرضِ عدْنٍ غير مكترثٍ بطولِ الطريق..بلى، الأخضرُ يناسبك، وكم وددتُ لو أحببتكِ بالأخضر، وبكيتُكِ بالأخضر. أما الآن، فاقبَلي تحياتي الرماديّة، وَوَجعي الرماديّ، وأخضري الرماديّ."
يفركُ عينيه، يستسلمُ لطيفها أمامَه... يستسلمُ لذلك الشّفقِ الأحمرِ المذبوحِ تحت بحرِ عينيها أوراقًا خريفيّةً من شجرِ الصّفصاف... يسرح في خيالِهِ معها، يستذكر أوّل قبلةٍ لهما تحت سماءِ نيسان، يلعقُ شفتيهِ مثل كلبٍ ضالّ، فلا يجد بقايا السكّر المكتنَزِ في شفتيها.
يصرخ.. يتأوّه.. السجّانُ لا يسمع! الربُّ لا يستجيب! يئسَ الروحُ من جسده، وانتفضَ معلنًا أنَّ الحبَّ من خلف القضبان مجرّد هوايةٍ تصبو نحوَ الاحتراف. وُجِدَ الحبُّ ليصهلَ في البادية، ليسافرَ ويبقى، ليذهبَ ويجيء، وُجدَ بحيرةً لا سجنًا، بحرًا لا سجّانًا، وُجدَ ليدخلَ النّفسَ ويعصفَ بالرّوح، ليُزلزِلَ جِبلَتنا الترابيّة، مطلقًا ذاتَنا الدنيا نحو ذاتِنا العُليا، وفِكرنا الجسديَّ نحو عُمقِ فِكرِ الله.
"الأخضرُ يناسبك.. إنّه يناسبُ شعركِ.. يناسبُ تضاريسَ جسدِك".
يقفُ مترنّحًا..متأرجحًا بين النومِ واللا-يقظة، مطلِقًا صوتًا أشبهَ ما يكون بصوتِ جرذٍ صغيرٍ يشقّ طريقَهُ عبرَ المجارير. يحترفُ البكاءَ، ويتناولُ التعبَ بالشوكةِ والسكين، بكلِّ بطء، بكلّ مرارة... يأكلهُ بغيرِ ملحٍ وبشيءٍ يشبه الكسل.
يستوي على عرشِ ذاتِهِ إلهًا أبديًّا يسبحُ في عدميّةِ الكبت، يحاولُ خلقَ حريّته، فلا يجدُ كلمتَه. يكتشفُ أنّ الإنسانَ إلهٌ أخرس! إلهٌ لا ينفصلُ عن ذكرياتِه، وربٌّ ما انفكَّ يصارعُ حياةً سابقة. وفي الأخير، يسمعُ صوتًا يهمسُ من بينِ الحجارة، صوتًا يخرجُ من بلادِ الحديد، من النسيم الهادئ، ومن ذكرياتِ مجدهِ، صوتًا قائلاً: "أنا معك!"
إيـاد معـلوف
شظايا آنيةِ الفخّار
حضورُ ظلِّ جوابٍ مُطلَقٍ
يُرفرفُ فوقَ وجهِ الطبيعيّاتِ
آيةً تهمسُ في عُمقِ الكوْن:
"مَن أنا؟"
في حضورِ ظِلِّ الجوابِ
غيابُ فلَكِ سؤالٍ في الجوهرِ
يتنفّسُ تحتَ وجهِ الخَلقِ
حقًّا مكتومًا ينـزفُ إيمانًا:
"وجهُ الرَّبِّ كتابي"
سألتُ النورَ عن مسكنه أجابني:
"هي الموسيقى".. واختفى
سألتُ الروحَ عن سرِّهِ أجابني:
"هو أنتَ".. وانتحى
سألتُ الشكَّ عن إيمانه أجابني:
"هو مرآتي".. وبكى!
الأبدُ ينشدُ ذاتَهُ في أزلِ المجرّة..
والأزلُ تائهٌ في ماضٍ
أضاعَ مستقبلهُ في حاضرٍ
لا ماضيَ له..
والسؤالُ بعيدٌ
جوابهُ حائرٌ بين ذاتٍ دُنيا
وأخرى عُليا..
بين شهوةِ الجسدِ
ومأزقِ الروح..
بين سقفِ سماءِ الربِّ
وحضيض روعةِ الجحيم..
وللجحيمِ فِكرٌ أحمرُ التراب
يحترفُ التمرّدَ على زرعِه..
يحترقُ في عتمةٍ لا ينيرُها لهيبُه..
ولو سمعتَ آهةً في عُمقِهِ
لعرفتَ جوابَ سؤالكَ..
"ذاكَ أنا..وتلكَ فلسفتي"
إيـاد معـلوف
بيـانو
أينَ سحرُكَ الشرقيُّ
وأنينكَ الذهبيّ العتيق؟
أينَ خُرافتُنا الأولى
ووجعُنا البحريُّ السحيق؟
أندَلُسُ وجودِنا فِكرة..
وللفِكرِ قيدٌ أزليٌّ طويل
اعبدِ الشمسَ ولا تحرقني
بنورِ الإيمان..
اعبدِ الحجرَ ولا ترجمني
بسخطِ الرحمن..
واتركني أعبدُ الرّبَ في سرّي
بِلا استئذان...
ثقافتُنا
قشورُ بيضٍ ولحاءُ شجر..
نَسينا اللُّبَ
وعبَدنا الماضيَ
وسألنا القدَر..
ورذلنا كلّ فِكرٍ بشريٍّ
ودفنّا معه أحلى صوَر..
ليسَ لنا الفِكرُ ليسَ لنا..
تكفينا بضعةُ أمثالٍ
وكومةُ قشٍّ
وحكايا الجدّةِ أمِّ عُمَر..
فنحنُ –كما قيل-
نعفُّ عن مستقبَل قد ندَر..
دفّتنا ضائعة
ومركبنا يهوى الغرق
ونحنُ نغنّي بسُكرٍ ونصرخُ بحنَق:
"هذا جاحدٌ وذاكَ كفَر"
اعزِف سيمفونيّتك الأخيرة
واسكَر بصلاتنا يا ضجَر..
ودعنا موتى نتلو عليكَ
حَكايانا بخدَر:
لو لم يكن العربُ عربًا
ما كانَ القمرُ قمرْ!
إيـاد معـلوف
ركعةٌ في الكُفر
"إلهي إلهي أنصِت إليّ..
لماذا تركتني..؟"
تهواها وتهواكَ..
تستفزُّ في روحكَ لذّةَ المجهولِ
كامرأةٍ تتعرّى أمامَ كهفٍ من خطايا..
وتسافرُ معها..
باحثًا عن عُمقٍ غير مدرَك
في مجرّةٍ بين شكّها ويقينها
برزخٌ من نور..
تنزعُ عن ذاتكَ حُلّةَ الإيمانِ
لتبدأَ رحلةَ كُفرٍ مقدَّس..
كُفرٍ كثيفِ الشّكِ لذيذِ السّبب
لا يسبرُ غورهُ دينٌ
ولا يحكمُ عقلهُ إله
تهواها وتهواكَ..
كلحنٍ أسطوريٍّ
يرفضُ أن يُغادرَ فِكرك..
كوجهِ محبوبةٍ
تنامُ في حضنها طِفلاً
لتبحثَ في مجهولها عن عسلٍ
لطريقٍ من رماد
وأنتَ يا صخرتي..
أيْنكَ وكيفَ جئت وكيفَ اختفيْت؟
كيفَ ولدْتَني قبل الوجود روحًا
وأنا فيكَ أعمقُ من روح؟
هل عرفتَ لذّةَ الخطيّة يومًا..
أو سرتَ في جِنانِ الشكِّ
وتمشّيتَ على شاطئ الحنين؟
أخرجتَ من عدمكَ يومًا
وعانقتََ الأبديّةَ الزرقاءَ
بحزنِ عجوزٍ يرجعُ إلى الديار..
مِن فِكرنا خُلقتَ قبل الكون
وبعدهُ جسّدْتَنا..
لنعبُدَ فيكَ أفكارنا..
لنصبو إليها بابتهالِ عذراءٍ
تحني رأسها أمامَ صليبٍ من ذنوب..
فأنتَ ذنبُنا الأزليُّ..
وأنتَ خيرُنا الأسمى!
شرُّنا القدّوسُ أنتَ
وأنتَ العادلُ ظُلمًا
والظّالمُ عدلا..
أتذكرُ أيامَ شبابكَ الغابر..
أيامَ طيشٍِ عاقِلٍِ
حرّكَ طوفانَ الموت القاتم؟
هل وصلتكَ صرَخات ثاكلاتِ مِصرَ
وأشبعكَ قهرُ الأبكار؟
هل طابت نفسكَ بمحوِ عادٍ
وتهلّلت ملائكتكَ بدفنِ ثمود؟
ألا ترنُّ آهات أطفالهم في رأسك؟
ورائحةُ دمائهم ألا تُزعجُ منخريْك؟
"ويحي أنا الإنسانُ الشقيُّ
من يُنقذُني من جسَدِ هذا الموت؟"
لروحنا بابٌ ولنفسنا مفتاح
وصدى صوتكَ يتردّد من بعيدٍ..
ينتظرُ الدخول..
فبالروحِ ناموسُ الخلاص
"ولكن بالجسدِ ناموسُ الخطيّة"
إيـاد معـلوف
*الاقتباسات من الكتاب المقدّس