عبثًا يحاول إقناعَ نفسه أنه لا يزالُ حيًّا. في ظلام السجن تخبو الحريّة ولو اشتعلَت نيرانها في ذواتِنا أفكارًا. ينظرُ في المرآة فيرى عجوزًا، ينظر من النافذةِ فيرى ماضيَه، ويغوصُ في ذاكرته فلا يجدُ غدًا، فما الغدُ، إذا كان الحاضرُ من حديد؟
يتوجّه نحو سريره، ينفض الغبارَ عن الدثار الأزرق، يفترشُ به الأرضَ، ويركع..يسجد، ويردّد: "أبانا الذي في السموات..." يتوقّف عند هذه الجملة، ويُمعن في التفكير: "كيف يراني الربّ وهو في السماء، ألا يجب أن تكون هناك سماءٌ ليكون الربّ موجودًا فيها؟" ينظرُ إلى الأعلى فلا يجد غير الإسفلت وبقايا رسوماتٍ وكتاباتٍ احتفرتها حياةٌ سابقة، ولوّنتها دماءُ من راحوا.
منذ أربعةَ عشر عامًا، كانَ لا يزالُ يعبثُ بهُدب الحياة، يبحث لنفسِه عن عذرٍ أو عن جُملةٍ تلوحُ في فِكر الله، لينطق بها راجيًا أن يتجدّد فيه عهدُ الطفولةِ وروعةُ النسيان. منذ أربعةَ عشرَ عامًا وهو يحاولُ أن يقبضَ على الحياةِ مثلما يقبضُ المرءُ على كومةٍ من الرّمال.
فِكرةُ الحريّة تدغدغُ أحاسيسه، تُثيرُ لواعجَ نفسه، تخرجُ من القفصِ الحديديّ لتمتطيَ أوّل حصانٍ جامحٍ يصهلُ في الحقولِ الذهبيّة..حقولاً تمتدّ أمامَهُ بحرًا من عطش!
حبّه الأول استحال سيمفونيةً قديمة، بات وردةً ماتت قهرًا على بوابةِ تشرين، ومنديلاً ورقيًّا من حبيبةٍ، مزّقته رياح الهجرِ وأشعلته نيرانُ الفراق.
يمسحُ دمعةً عن وجنتهِ اليُمنى، يسندُ ذكرياتِهِ بوسادةٍ بيضاءَ من أمل، ويلعقُ جراحَهُ بلسانٍ أخرس. لم تعد الحريّة بالنسبة إليه أكثر من عبوديّة، صارَ عبدًا لفكرة، وخادمًا وضيعًا لشيءٍ يشبهُ المرض.
يسمعُ صوتًا من بعيد، يظنّه صدى صوتهِ يناديه، يصرخُ وحده في الظلامِ وينتحب. لم يكن ذلك أكثر من صوتِ شبحه.
"الأخضرُ يناسبكِ"..يسترجعُ كلماتهِ لها.."الأخضرُ يناسبُ صوتكِ. هو لونُ الأبديّة ولو تجسّدَ في شجرةٍ أو في حبّةِ تفّاح؛ هو لونُ الأبديّة سائلاً من نورٍ خرافيّ، يرتشفهُ العاشقُ من أرضِ عدْنٍ غير مكترثٍ بطولِ الطريق..بلى، الأخضرُ يناسبك، وكم وددتُ لو أحببتكِ بالأخضر، وبكيتُكِ بالأخضر. أما الآن، فاقبَلي تحياتي الرماديّة، وَوَجعي الرماديّ، وأخضري الرماديّ."
يفركُ عينيه، يستسلمُ لطيفها أمامَه... يستسلمُ لذلك الشّفقِ الأحمرِ المذبوحِ تحت بحرِ عينيها أوراقًا خريفيّةً من شجرِ الصّفصاف... يسرح في خيالِهِ معها، يستذكر أوّل قبلةٍ لهما تحت سماءِ نيسان، يلعقُ شفتيهِ مثل كلبٍ ضالّ، فلا يجد بقايا السكّر المكتنَزِ في شفتيها.
يصرخ.. يتأوّه.. السجّانُ لا يسمع! الربُّ لا يستجيب! يئسَ الروحُ من جسده، وانتفضَ معلنًا أنَّ الحبَّ من خلف القضبان مجرّد هوايةٍ تصبو نحوَ الاحتراف. وُجِدَ الحبُّ ليصهلَ في البادية، ليسافرَ ويبقى، ليذهبَ ويجيء، وُجدَ بحيرةً لا سجنًا، بحرًا لا سجّانًا، وُجدَ ليدخلَ النّفسَ ويعصفَ بالرّوح، ليُزلزِلَ جِبلَتنا الترابيّة، مطلقًا ذاتَنا الدنيا نحو ذاتِنا العُليا، وفِكرنا الجسديَّ نحو عُمقِ فِكرِ الله.
"الأخضرُ يناسبك.. إنّه يناسبُ شعركِ.. يناسبُ تضاريسَ جسدِك".
يقفُ مترنّحًا..متأرجحًا بين النومِ واللا-يقظة، مطلِقًا صوتًا أشبهَ ما يكون بصوتِ جرذٍ صغيرٍ يشقّ طريقَهُ عبرَ المجارير. يحترفُ البكاءَ، ويتناولُ التعبَ بالشوكةِ والسكين، بكلِّ بطء، بكلّ مرارة... يأكلهُ بغيرِ ملحٍ وبشيءٍ يشبه الكسل.
يستوي على عرشِ ذاتِهِ إلهًا أبديًّا يسبحُ في عدميّةِ الكبت، يحاولُ خلقَ حريّته، فلا يجدُ كلمتَه. يكتشفُ أنّ الإنسانَ إلهٌ أخرس! إلهٌ لا ينفصلُ عن ذكرياتِه، وربٌّ ما انفكَّ يصارعُ حياةً سابقة. وفي الأخير، يسمعُ صوتًا يهمسُ من بينِ الحجارة، صوتًا يخرجُ من بلادِ الحديد، من النسيم الهادئ، ومن ذكرياتِ مجدهِ، صوتًا قائلاً: "أنا معك!"
إيـاد معـلوف
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق